00:00:00
توقيت بغداد
2026يونيو12
الجمعة
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

بقلم: زينوبيا تشان باحثة في معهد ISEAS - ترجمة المعهد العراقي للحوار

الصين والولايات المتحدة: من سيفهم جنوب شرق آسيا بصورة أفضل؟

يبدو أن الولايات المتحدة تخسر أمام الصين في السباق نحو فهم منطقة جنوب شرق آسيا. غير أن الاختبار الحقيقي يتمثل في قدرة أي دولة على الحفاظ على المؤسسات التي تتيح دراسة المنطقة بصورة نقدية وعميقة.

في التنافس على النفوذ في جنوب شرق آسيا، تتفق واشنطن وبكين على أمر واحد: المنطقة لا غنى عنها. إلا أنه خلف زخم القمم والاجتماعات رفيعة المستوى، يبرز اختلاف أكثر هدوءاً في الكيفية التي تطور بها القوتان المعرفة المتعلقة بالمنطقة. فالولايات المتحدة تعمل على تقليص البرامج الجامعية التي طالما قامت بتدريب طلابها على لغات جنوب شرق آسيا وتاريخها وسياساتها، بينما ترفع الصين من مكانة الدراسات الإقليمية وتجعلها مجالاً أكاديمياً من الدرجة الأولى يحظى بدعم الدولة.

ولا يقتصر هذا التباين على تغير في سياسات التمويل الأكاديمي، بل يكشف عن اختلاف جوهري في نوع المعرفة التي يقدرها كل نظام، وكيف يمكن لهذه الخيارات أن تؤثر في قدرة كل قوة على استيعاب تعقيدات جنوب شرق آسيا.

في الولايات المتحدة، لم تكن الدراسات الإقليمية منفصلة عن الاستراتيجية الوطنية، لكن نموذج تمويلها أثبت هشاشته. فقد صُممت مراكز الموارد الوطنية التابعة للباب السادس (Title VI) وبرامج الزمالات الخاصة باللغات الأجنبية والدراسات الإقليمية أساساً لخدمة الاحتياجات الوطنية من خلال دعم تعليم اللغات والبحوث والتثقيف العام. إلا أن هذه القاعدة يجري تفكيكها بصورة مفاجئة.

فبعد الإنهاء المفاجئ للتمويل الفيدرالي لبرامج الباب السادس في عام 2025، بات النظام المعرفي الأمريكي على حافة الانهيار. وتظهر النتائج بشكل فوري وملموس؛ إذ أغلقت جامعة نورث كارولاينا في تشابل هيل جميع مراكز الدراسات الإقليمية الستة التابعة لها، بما فيها مركز كارولاينا لآسيا، بينما اضطرت جامعة واشنطن إلى البحث عن تمويل طارئ لإنقاذ برنامج اللغة الخميرية، وهو أحد سبعة برامج فقط من نوعه في الولايات المتحدة، من الاختفاء الكامل.

إن بناء مثل هذا النظام يتطلب عقوداً من العمل الميداني، والتدريب اللغوي، وبناء الثقة، لكنه قد يُفرغ من محتواه خلال دورة موازنة واحدة فقط.

وغالباً ما تبدأ الخبرة الإقليمية بمعرفة لا يمكن اختزالها بسهولة في اعتبارات السياسة العامة، مثل الأدب، والصحف المحلية، والمصادر الأرشيفية، وسياسات القرى، والحياة الدينية، والتاريخ الشفهي، والحوارات التي لا تتناسب مع مذكرات السياسات الرسمية. ولهذا السبب تظل الجامعات ذات أهمية بالغة، لأنها تحافظ على أشكال من البحث قد لا تبدو قيمتها واضحة خلال دورة الموازنة التالية.

وعندما يتم خفض التمويل، فإن ذلك يقلص عدد الأمريكيين القادرين مستقبلاً على دراسة جنوب شرق آسيا بلغاتها الأصلية ومن منظورها الخاص.

في المقابل، تسلك الصين الطريق المعاكس. فقد أصبحت دراسات الدول والمناطق تخصصاً جامعياً مستقلاً للدراسات العليا منذ عام 2022، وأُدرجت ضمن قائمة التخصصات الجامعية في عام 2025.

وتؤكد الروايات الرسمية، بما فيها خطابات الرئيس الصيني شي جين بينغ، على أهمية إجراء بحوث شاملة ومتعددة التخصصات وعملية وحديثة حول السياسة والاقتصاد والثقافة في مختلف البلدان والمناطق.

وبالنسبة إلى جنوب شرق آسيا، يعكس هذا التوسع عوامل الجغرافيا والسياسة. فالصين منخرطة بعمق في المنطقة من خلال التجارة والبنية التحتية والدبلوماسية، كما أنها طرف في عدة نزاعات إقليمية مع دول المنطقة.

ولا ينبغي التقليل من شأن هذا الاستثمار. فالنظام الصيني قادر على التوسع بسرعة، وتشجيع تعليم اللغات، ودعم البحوث المرتبطة بالسياسات، وربط الخبرات بالأولويات الدبلوماسية. لكن القدرة على التوسع ليست مرادفة للفهم الحقيقي.

فعلى الرغم من امتلاك الصين أكثر من 300 معهد بحثي مخصص لدراسات جنوب شرق آسيا، فإن التوجيهات الصادرة من الأعلى تحدد إلى حد كبير نوعية الأسئلة التي يتم طرحها. وعندما تُبنى الدراسات الإقليمية لخدمة الاستراتيجية الوطنية بشكل صريح، يصبح لدى الباحثين حافز لإنتاج أعمال آنية وسهلة التوظيف سياسياً.

ورغم أهمية هذا النوع من الدراسات، فإن النهج الهرمي قد يشجع على إعطاء الأولوية للجدوى السياسية قصيرة الأجل على حساب المعرفة الاجتماعية العميقة، وللانسجام الأيديولوجي على حساب البحث المفتوح. وقد أشار باحثون صينيون متخصصون في دراسات جنوب شرق آسيا بالفعل إلى هذا "التحول نحو السياسات"، والذي يتمثل في التوسع السريع في برامج اللغات، وهيمنة البحوث السياسية قصيرة المدى، وتهميش العلوم الإنسانية.

إن المنافسة المستقبلية حول جنوب شرق آسيا لن تُحسم بالسفن أو القمم أو الاستثمارات وحدها، بل ستتحدد أيضاً بمن يستطيع فهم المنطقة بعيداً عن طموحاته الخاصة.

وهذا يخلق حالة من عدم التماثل. فالنموذج الأمريكي المجزأ يوفر استقلالاً فكرياً، لكنه عرضة لتقلبات السياسة المالية. أما النموذج الصيني المنسق، فمن المرجح أن يخرج أعداداً أكبر من المتخصصين في المنطقة، لكنه ينطوي على خطر التعامل مع جنوب شرق آسيا باعتبارها مجرد موضوع يخدم السياسة الصينية.

وقد ينتج أحد النظامين خبرة قليلة جداً، بينما ينتج الآخر خبرة شديدة الارتباط بأولويات الدولة.

وبالنسبة إلى جنوب شرق آسيا، فإن أياً من هاتين المشكلتين ليس بسيطاً. فالولايات المتحدة، مع تراجع عدد المتخصصين المدربين على لغات المنطقة، قد تعتمد بصورة أكبر على النخب الناطقة بالإنجليزية، وتقارير مراكز الأبحاث، والتصنيفات الاستراتيجية المبسطة. وقد تنظر إلى دول جنوب شرق آسيا باعتبارها مجرد شركاء أو دول متأرجحة أو ساحات للنفوذ الصيني.

أما النموذج الصيني، فيواجه خطراً مختلفاً، يتمثل في إنتاج معرفة واسعة حول أهمية جنوب شرق آسيا بالنسبة للصين، مع قدر أقل من التسامح تجاه الأدلة التي تتعارض مع الروايات المفضلة لدى بكين.

فعلى سبيل المثال، غالباً ما تُشجع الدراسات المتعلقة بمبادرة "الحزام والطريق" على إبراز جوانب الترابط والتنمية والتعاون الاقتصادي، رغم أن مشاريع البنية التحتية في جنوب شرق آسيا تثير أيضاً أسئلة بيئية واجتماعية جدية.

والدرس هنا ليس أن الدراسات الإقليمية الأمريكية نقية بينما الصينية ذات طابع نفعي. فكلا التقليدين تأثر بعلاقات القوة. فالدراسات الإقليمية الأمريكية نفسها كانت نتاجاً للقلق الاستراتيجي، خصوصاً خلال الحرب الباردة.

كما لا ينبغي الافتراض أن الباحثين الصينيين يفتقرون إلى الفضول أو الاستقلالية. بل إن النقطة الأساسية هي أن الاقتصاد السياسي لإنتاج المعرفة مهم للغاية. فطريقة تمويل الخبرات وتقييمها ومكافأتها تؤثر في طبيعة المعرفة التي تمتلكها الدولة.

إن جنوب شرق آسيا منطقة متعددة اللغات، ومتنوعة دينياً، وغنية بالتراكمات التاريخية، ومتباينة سياسياً. ولن تتمكن أي قوة عظمى من فهمها جيداً إذا تعاملت معها باعتبارها مجرد رقعة شطرنج.

وعلى واشنطن ألا تفترض أن الاستثمارات الصينية الموجهة من أعلى ستنتج بالضرورة معرفة سطحية، كما ينبغي لبكين ألا تفترض أن زيادة عدد المراكز الأكاديمية والتخصصات ستقود تلقائياً إلى فهم أعمق.

فالاختبار الحقيقي يتمثل في قدرة أي من البلدين على الحفاظ على مؤسسات تشجع الناس على القراءة المتأنية، والسفر بتواضع، والنقاش بحرية، والتعامل بجدية مع استقلالية دول جنوب شرق آسيا.

كما يمكن للجامعات ومراكز الفكر في المنطقة أن تؤثر في الطريقة التي يدرس بها الآخرون جنوب شرق آسيا، من خلال توسيع برامج الزمالات، والبحوث المشتركة، وبرامج الإقامة البحثية التي تربط الخبرة الإقليمية بالنقاشات المحلية واللغات والمجتمعات الفكرية.

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن تقليص الدراسات الإقليمية مع إعلان الأهمية الاستراتيجية لجنوب شرق آسيا يمثل سلوكاً يقوض أهدافها بنفسها.

أما بالنسبة إلى الصين، فإن بناء الدراسات الإقليمية باعتبارها تخصصاً استراتيجياً قد يزيد من القدرات، لكنه لا يضمن بالضرورة فهماً أعمق أو قدرة تفسيرية أكبر.

وفي النهاية، فإن المنافسة المقبلة على جنوب شرق آسيا لن تُخاض بالسفن، أو القمم، أو الاستثمارات فحسب، بل ستتحدد أيضاً بمن يستطيع فهم المنطقة بعيداً عن طموحاته الخاصة.

Comments