الناشر: Defense Security Asia - ترجمة: فيصل عبد اللطيف
سكة حديد الحجاز قد تعيد تشكيل طرق التجارة الإقليمية
تشير اتفاقيات السكك الحديدية والخدمات اللوجستية الموقعة في الرياض في 9 حزيران/يونيو بين تركيا والمملكة العربية السعودية إلى ظهور ممر بري أوراسي استراتيجي مصمم لتقليل اعتماد الخليج على نقاط التفتيش البحرية المهددة بشكل متزايد بحرب الصواريخ والصراع بالوكالة و سياسات الإكراه الجيوسياسي.
وضع وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو ووزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي صالح الجاسر رسميًا إطارًا للتعاون في مجال السكك الحديدية يحول مفهوم سكة حديد الحجاز التاريخية في العصر العثماني إلى مشروع بنية تحتية جيوسياسية حديث يربط بين أوروبا والمشرق وشبه الجزيرة العربية.
ومن شأن الممر المقترح أن يربط تركيا عبر سوريا والأردن بالمملكة العربية السعودية قبل أن يمتد في نهاية المطاف نحو عمان والمحيط الهندي، وبالتالي إنشاء بنية تجارية برية قادرة على تجاوز مضيق هرمز خلال فترات التصعيد الإقليمي.

كما تعكس هذه الاتفاقيات تقدماً ملموساً في مسار التكامل الإقليمي، من خلال تسريع أعمال الجدوى والتنسيق الفني التي بدأت بموجب ترتيبات النقل السابقة بين تركيا وسوريا والأردن، بما يشير إلى تبلور مشروع استراتيجي يتجاوز الاعتبارات الدبلوماسية الآنية نحو إعادة تشكيل أنماط الربط الإقليمي على المدى الطويل.
سيُدمج ممر السكك الحديدية المُعاد إحياؤه مباشرةً مع شبكة السكك الحديدية التركية الأوروبية، مما يسمح لصادرات دول الخليج وتدفقات الخدمات اللوجستية بالوصول إلى أسواق البحر الأبيض المتوسط وأوروبا عبر أراضٍ مرتبطة بحلف الناتو، بدلاً من الاعتماد الحصري على ممرات الشحن البحري المعرضة للخطر.
ويستند المشروع إلى اعتبارات استراتيجية متزايدة الأهمية في دول الخليج، تتمثل في المخاوف المتنامية إزاء قابلية مضيقي هرمز وباب المندب للتعطيل، في ظل تصاعد مخاطر الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة والألغام البحرية والأنشطة التي تنفذها القوى الوكيلة، بما يهدد أمن سلاسل الإمداد واستمرارية حركة التجارة الدولية.
تُظهر مشاركة المملكة العربية السعودية استراتيجية الرياض الأوسع لتنويع الاقتصاد في إطار رؤية 2030، ولا سيما هدفها المتمثل في تحويل المملكة إلى مركز لوجستي عابر للقارات قادر على دمج الإنتاج الصناعي الخليجي مع شبكات التجارة الأوراسية.
وفي الوقت نفسه، تضع تركيا نفسها كجسر نقل ولوجستي لا غنى عنه بين أوروبا والخليج، وبالتالي توسيع نفوذ أنقرة الجيوسياسي عبر سوريا ما بعد الصراع مع تعزيز النفوذ التركي على ممرات الإمداد القارية الناشئة.
ويعكس إحياء خط سكة حديد الحجاز أيضًا تحولًا عالميًا أوسع نطاقًا نحو المنافسة الاستراتيجية في مجال البنية التحتية، حيث تستخدم الدول بشكل متزايد المرونة اللوجستية، وتكرار وسائل النقل، وجغرافيا سلسلة التوريد كأدوات لاستعراض القوة الجيوسياسية.
إن التوسعة المقترحة للممر باتجاه عُمان وبحر العرب من شأنها أن تغير بشكل جذري حسابات التجارة الإقليمية من خلال تمكين منتجي الخليج من تصدير البضائع والشحنات المتعلقة بالطاقة دون الحاجة إلى المرور عبر نقاط الاختناق البحرية المجاورة لإيران.
لا تزال جدوى المشروع التشغيلية مرهونة باستقرار الأوضاع في سوريا، والتنسيق الثلاثي بين أنقرة ودمشق وعمّان، وإعادة بناء البنية التحتية للسكك الحديدية المتضررة التي دُمرت خلال عقود من الصراع والتمرد الإقليمي.
وإذا تحقق المشروع بالكامل خلال السنوات الأربع أو الخمس القادمة، فقد يصبح مشروع إعادة إحياء سكة حديد الحجاز أحد أهم مبادرات البنية التحتية ذات الأهمية الاستراتيجية في الشرق الأوسط منذ إنشاء شبكات تصدير الطاقة الحديثة في دول الخليج.
ممر استراتيجي مصمم لتجاوز ثغرات هرمز
الدافع الجيوسياسي الرئيسي وراء إعادة إحياء خط سكة حديد الحجاز هو إنشاء طريق لوجستي بري مرن قادر على تجاوز مضيق هرمز، الذي يمر عبره حاليًا ما يقارب خُمس شحنات النفط العالمية، في ظل مخاطر أمنية إقليمية مستمرة.
قدّم المسؤولون الأتراك مشروع التوسع في شبكة السكك الحديدية باتجاه سلطنة عُمان والمحيط الهندي بوصفه ممراً تجارياً عالمياً بديلاً، يهدف إلى الحد من الانكشاف الاقتصادي الناجم عن اضطرابات الملاحة البحرية المرتبطة بالتوترات الإقليمية والمواجهات البحرية وحالة عدم الاستقرار التي تشهدها الممرات البحرية الاستراتيجية.
من شأن المسار البري لهذا الممر أن يقلل بشكل كبير من احتمالية التعرض لهجمات الصواريخ، وهجمات الطائرات المسيّرة، وعمليات زرع الألغام البحرية، وتكتيكات الحرب البحرية غير المتماثلة التي باتت تُهيمن على ديناميكيات الأمن في الخليج خلال السنوات الأخيرة.
ومن منظور لوجستي واستراتيجي، يُنظر إلى النقل بالسكك الحديدية باعتباره خياراً يوفر قدراً أكبر من الموثوقية والمرونة والكفاءة مقارنةً ببدائل النقل الأخرى، لاسيما في ما يتعلق بتدفقات الحاويات والمنتجات الصناعية والبتروكيماوية وسلاسل التوريد ذات الأهمية الاستراتيجية الممتدة بين الأسواق الأوروبية والخليجية.
ويوفر المشروع كذلك للمصدرين في دول الخليج مساراً بديلاً للحفاظ على استمرارية حركة الصادرات أثناء الأزمات، خصوصاً عندما تؤدي التوترات العسكرية إلى ارتفاع تكاليف التأمين على الشحن البحري أو إلى تعطيل جزئي للممرات التجارية البحرية.
ويمكن لموانئ تركيا المطلة على البحر الأبيض المتوسط، بما فيها مرسين وإسكندرونة، أن تبرز كبوابات لوجستية استراتيجية تربط تجارة الخليج مباشرةً بالأسواق الأوروبية، مع تقليل الاعتماد على الممرات البحرية الهشة التي تعبر ممرات مائية متنازع عليها.
ويُكمّل هذا المشروع في الوقت نفسه استراتيجيات "التحصين ضد إيران" الإقليمية الأوسع نطاقًا التي تتبناها دول الخليج الساعية إلى تنويع البنية التحتية للنقل وتقليل تعرضها الاقتصادي للتوترات الجيوسياسية المحيطة بالنفوذ البحري الإيراني.
ويتسق انخراط المملكة العربية السعودية في شبكة لوجستية عابرة للقارات تربطها بأوروبا مع رؤيتها الرامية إلى التحول إلى عقدة محورية في منظومة التجارة الأوراسية، بما يعزز قدرتها على المنافسة ضمن بيئة تتسم بتعدد الممرات الاستراتيجية المدعومة من الصين والهند والدول الغربية.
تمتد الأهمية الاستراتيجية للمشروع إلى ما هو أبعد من الاعتبارات الاقتصادية، إذ إن أي استهداف لأجزاء من خط السكك الحديدية داخل الأردن أو تركيا قد ينطوي على مخاطر التصعيد إلى مواجهة مباشرة تشمل قوى إقليمية رئيسية، وربما تمتد تداعياتها إلى مناطق مرتبطة بحلف شمال الأطلسي، مما يرفع من مستوى الردع ويزيد من كلفة أي محاولة لتعطيل المشروع.
ومن خلال إنشاء بنية تحتية نقلية احتياطية مستقلة عن الممرات البحرية الحيوية، يُعزز هذا الممر المرونة الاستراتيجية لاقتصادات الخليج التي يزداد قلقها من استغلال طرق التجارة العالمية كسلاح خلال الأزمات الجيوسياسية المستقبلية.
تركيا والسعودية تشكلان محور قوة إقليمي جديد
وتعكس اتفاقيات السكك الحديدية تقارباً جيوسياسياً أوسع بين تركيا والمملكة العربية السعودية يتمحور حول البراغماتية الاقتصادية، والترابط الإقليمي، وتحقيق الاستقرار في مرحلة ما بعد الصراع بدلاً من المنافسة الأيديولوجية التي اتسمت بها العلاقات الثنائية بين البلدين في السابق.
وبالنسبة لأنقرة، فإن إحياء خط سكة حديد الحجاز يعزز طموح تركيا على المدى الطويل لتصبح المركز اللوجستي الأوراسي المهيمن الذي يربط أوروبا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى وشرق البحر الأبيض المتوسط من خلال ممرات نقل متكاملة. إن تكنولوجيا السكك الحديدية وخبرة البناء والخبرة التشغيلية التي تمتلكها تركيا تمكن الشركات التركية من تأمين عقود البنية التحتية الكبيرة المرتبطة بجهود إعادة الإعمار والتحديث الممتدة عبر سوريا والأردن.
وتستفيد المملكة العربية السعودية من خلال الوصول البري الشمالي المباشر إلى أسواق البحر الأبيض المتوسط والأسواق الأوروبية، مع تقليل الاعتماد الاستراتيجي في الوقت نفسه على طرق التجارة البحرية المعرضة للنفوذ الإيراني وعدم استقرار البحر الأحمر. كما يوفر مشروع السكك الحديدية للرياض آلية لتعميق التكامل الاقتصادي مع سوريا ما بعد الحرب دون الحاجة إلى عمليات تطبيع سياسي سريعة لا تزال حساسة إقليمياً ومعقدة دبلوماسياً.
وتستعد سوريا لاستعادة دورها التاريخي باعتبارها الجسر البري الرئيسي في بلاد الشام، مما يحتمل أن يدر إيرادات عبور كبيرة بينما تجتذب استثمارات إعادة الإعمار اللازمة لإعادة بناء البنية التحتية لوسائل النقل التي تضررت طوال الحرب الأهلية.
إن الموقع الجغرافي للأردن يحول المملكة إلى تقاطع لوجستي مهم يربط أنظمة السكك الحديدية الخليجية بممرات النقل في بلاد الشام، وبالتالي تعزيز أهمية عمان الاقتصادية ضمن شبكات سلسلة التوريد الإقليمية.
إن إحياء المشروع الرمزي للبنية التحتية التي تعود إلى العصر العثماني يعمل في الوقت نفسه على توسيع القوة الناعمة التركية في جميع أنحاء العالم العربي من خلال إعادة ربط طرق التجارة التاريخية من خلال التكامل الاقتصادي المعاصر بدلاً من التأثير السياسي المباشر.
كذلك تشكل السياحة الدينية عنصراً استراتيجياً ضمن هذا المشروع، إذ يُمكن لتحسين الربط السككي أن يُعزز بشكل كبير كفاءة نقل الحجاج بين تركيا وبلاد الشام والمدينتين المقدستين في المملكة العربية السعودية، مكة المكرمة والمدينة المنورة.
لذا، فإن اتفاقيات الرياض تتجاوز مجرد التعاون في مجال النقل، فهي تُرسّخ تحالفاً اقتصادياً تركياً عربياً ناشئاً قادراً على إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية الإقليمية من خلال الترابط القائم على البنية التحتية.
مفاقمة الممر للمنافسة بين الممرات التجارية الإقليمية
يدخل مشروع إحياء خط سكة حديد الحجاز في بيئة جيوسياسية متزايدة التنافسية، تتسم بتعدد مبادرات البنية التحتية المتداخلة الساعية إلى الهيمنة على مستقبل الربط التجاري الأوراسي عبر الشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ويتنافس هذا الممر بشكل مباشر مع أنظمة الخدمات اللوجستية البحرية، كما يتقاطع استراتيجياً مع مبادرة الحزام والطريق الصينية، ومشاريع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، ومشروع طريق التنمية العراقي المقترح.
أما بالنسبة لإيران، فيمثل خط السكة الحديد تحدياً استراتيجياً كبيراً، لأنه يُضعف نفوذ طهران الجيوسياسي الراسخ، والمستمد من مضيق هرمز وما يحيط به من نقاط ضعف في النقل البحري.
ومن خلال هذا المشروع، تسعى أنقرة والرياض إلى بناء منظومة نقل بديلة تسمح بتحويل جزء من حركة التجارة بعيداً عن الممرات البحرية القريبة من إيران، الأمر الذي يحد من فاعلية أدوات الضغط الجيوسياسي القائمة على تهديد الملاحة البحرية أو تعطيلها خلال فترات التوتر الإقليمي.
وتزيد الجغرافيا الاستراتيجية للممر، ولا سيما مروره عبر الأراضي التركية المرتبطة بالمنظومة الأمنية الأطلسية، من تعقيد عملية صنع القرار الاستراتيجي الإيراني، لأن استهداف البنية التحتية للمشروع داخل تركيا قد يرفع احتمالات اتساع نطاق الأزمات الإقليمية وتحولها إلى مواجهات ذات أبعاد دولية تتجاوز البيئة الأمنية للخليج العربي.
وتواجه إسرائيل أيضاً تداعيات استراتيجية محتملة، لأن مسار الشمال-الجنوب الذي يربط تركيا بسوريا والأردن والسعودية قد يُقلل من اعتمادها على مشاريع الربط البديلة التي تتمحور حول البنية التحتية للموانئ الإسرائيلية في البحر الأبيض المتوسط.
لذا، قد يُؤدي تطوير الممر إلى تكثيف التنافس الجيوسياسي بين مبادرات التكامل التركي العربي وأطر النقل المنافسة المدعومة من قوى خارجية تسعى إلى النفوذ في شبكات الخدمات اللوجستية في الشرق الأوسط.
وقد تنظر الصين إلى المشروع إما على أنه منافس أو مُكمّل، وذلك بحسب مدى اندماج خط السكة الحديد مع بنية سلسلة التوريد الأوسع لمبادرة الحزام والطريق، والتي تمتد نحو أسواق المستهلكين الأوروبية.
يعكس مشروع السكك الحديدية أيضاً توجهات عالمية أوسع نطاقاً، حيث بات الاستثمار في البنية التحتية أداةً جيوسياسيةً متزايدة الأهمية، تُشكّل هياكل التحالفات والتبعيات الاقتصادية والنفوذ الاستراتيجي، بدلاً من مجرد تسهيل النقل التجاري.
ومن خلال تحويل البنية التحتية للسكك الحديدية إلى آلية لإعادة التموضع الجيوسياسي، تُشير تركيا والمملكة العربية السعودية بوضوح إلى بروز نظام شرق أوسطي متعدد الأقطاب، يتمحور حول الترابط القاري بدلاً من الهيمنة البحرية الحصرية.
استمرار التحديات المالية والتقنية والأمنية الكبرى التي يواجهها المشروع
وعلى الرغم من التقدم الدبلوماسي الملحوظ الذي يشهده المشروع، فإن تنفيذه ما زال يواجه مجموعة من التحديات الجوهرية المرتبطة بالمتطلبات الأمنية، وتأمين التمويل اللازم، وتحقيق التوافق الفني والهندسي بين الشبكات المختلفة، فضلاً عن ضمان الاستقرار السياسي الإقليمي اللازم لاستدامته على المدى البعيد.
تحتاج أجزاء كبيرة من البنية التحتية للسكك الحديدية السورية إلى إعادة إعمار شاملة بعد سنوات من الأضرار الناجمة عن النزاع والتخريب وانهيار الصيانة، مما يزيد بشكل كبير من التكاليف المتوقعة للمشروع وتعقيد تنفيذه.
تشير التحليلات المتعلقة بمتطلبات إعادة التأهيل إلى أن حوالي 1700 كيلومتر من البنية التحتية للسكك الحديدية قد تحتاج إلى تحديث أو إعادة بناء، بتكاليف تقديرية قد تتجاوز 5.5 مليار دولار أمريكي.
يمثل توحيد مقاييس السكك الحديدية تحديًا تقنيًا كبيرًا آخر، نظرًا لأن أنظمة السكك الحديدية القديمة في جميع أنحاء المنطقة تستخدم مقاييس غير متوافقة، مما يستلزم تحويلًا مكلفًا إلى بنية تحتية حديثة قابلة للتشغيل البيني.
وتبرز التحديات الأمنية بصورة أكبر في المناطق الجنوبية والشرقية من سوريا، إذ تسهم تعددية مراكز النفوذ، واستمرار بعض الأنشطة المسلحة، وغياب تسويات سياسية مستقرة في خلق بيئة غير مواتية لتأمين البنية التحتية وحمايتها على المدى البعيد.
كما تواجه الأردن وتركيا متطلبات تشغيلية كبيرة تشمل التكامل الحدودي، وتنسيق الجمارك، وأنظمة إدارة الشحن، وإدارة الخدمات اللوجستية المنسقة، وهي أمور ضرورية لضمان سلاسة عمليات السكك الحديدية العابرة للحدود.
وقد تؤدي الضغوط التمويلية أيضًا إلى تعقيد الجداول الزمنية للتنفيذ، نظرًا لأن تركيا لا تزال تواجه قيودًا اقتصادية، بينما تمتلك الأردن قدرة مالية محدودة لتحديث البنية التحتية على نطاق واسع دون دعم استثماري خارجي مستدام.
وترتبط استدامة المشروع سياسياً بقدرة الأطراف المعنية، ولا سيما تركيا والسعودية وسوريا والأردن، على الحفاظ على مستوى مرتفع من التنسيق والتوافق الاستراتيجي، في ظل احتمال حدوث انتقالات سياسية داخلية أو تغيرات في أولويات البيئة الجيوسياسية الإقليمية.
كما لا يمكن إغفال مخاطر التخريب المحتملة التي قد تنجم عن جهات معادية غير حكومية أو قوى إقليمية منافسة، لأن هذا الممر يؤثر بشكل مباشر على موازين النقل الاستراتيجية، وحسابات أمن الطاقة، وهياكل النفوذ الإقليمي.
وبالتالي، فإن نجاح خط السكة الحديد في نهاية المطاف لن يعتمد فقط على التنفيذ الهندسي، بل أيضاً على استدامة عمليات المصالحة السياسية الإقليمية وتحقيق الاستقرار الأمني المستدام في بلاد الشام.
إحياء سكة حديد الحجاز وإمكانية إعادة تشكيل الجغرافيا التجارية لأوراسيا
يمثل مشروع إعادة إحياء خط سكة حديد الحجاز في جوهره محاولة من تركيا والمملكة العربية السعودية لإعادة تشكيل شبكة الترابط في الشرق الأوسط بشكل جذري، وذلك من خلال بنية تحتية مصممة لتغيير الجغرافيا السياسية بدلاً من مجرد تحسين كفاءة النقل.
وتستمد أهمية هذا الممر الاستراتيجية من قدرته على ربط أوروبا وبلاد الشام والخليج العربي، وربما المحيط الهندي، عبر بنية لوجستية قارية موحدة، بمنأى عن تقلبات الممرات البحرية الحيوية.
وبالنسبة لدول الخليج، يوفر خط السكة الحديد هذا ضمانة استراتيجية ضد أي اضطرابات مستقبلية قد تؤثر على مضيق هرمز أو البحر الأحمر، مع تعزيز التنويع الاقتصادي طويل الأجل ومرونة الصادرات الصناعية في الوقت نفسه.
تُعدّ تركيا المستفيد الجيوسياسي الرئيسي من هذا الممر، إذ يعزز المشروع مركزية أنقرة ضمن شبكات التجارة الأوراسية التي تربط بين أراضي حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومنتجي الطاقة في الشرق الأوسط والأسواق التجارية الآسيوية.
كما أن إعادة دمج سوريا في شبكات النقل الإقليمية من شأنه أن يُسرّع من وتيرة التعافي الاقتصادي بعد الحرب، ويخلق حوافز لتحقيق استقرار مستدام، مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بعائدات العبور واستثمارات إعادة الإعمار.
ويُظهر المشروع أيضًا كيف يمكن ان تُصبح البنية التحتية آلية ردع استراتيجية متزايدة الأهمية، لأن وجود بدائل في قطاع النقل يُقلل من فعالية استراتيجيات تعطيل الملاحة البحرية التي تُستخدم تقليديًا خلال الأزمات الإقليمية.
ومن منظور جيوسياسي أوسع، يعكس خط السكة الحديد تسارع المنافسة العالمية بين أنظمة التجارة البرية والبحرية، حيث تسعى الدول إلى إيجاد بدائل مرنة في ظل تصاعد التنافس بين القوى العظمى والغموض الاستراتيجي.ومن شأن التوسعة المقترحة باتجاه عُمان والمحيط الهندي أن تُعزز الأهمية الاستراتيجية للممر، من خلال توفير منفذ مباشر إلى بحر العرب، متجاوزًا بذلك مضيق هرمز وممرات البحر الأحمر المتنازع عليها.
ستحدد دراسات الجدوى، المتوقعة قبل نهاية عام ٢٠٢٦، دقة مسار المشروع، وتسلسل مراحل الإنشاء، وهياكل التمويل، والأطر التشغيلية التي ستحدد في نهاية المطاف ما إذا كان المشروع سيتحول من رؤية جيوسياسية إلى واقع ملموس في مجال البنية التحتية.
وإذا اكتمل مشروع إحياء خط سكة حديد الحجاز خلال العقد القادم، فإنه سيُحدث تغييرًا جذريًا في جغرافية التجارة في الشرق الأوسط، بتحويل منطقة نزاع تاريخية إلى أحد أهم ممرات النقل البري ذات الأهمية الاستراتيجية في أوراسيا.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
إشادات بحوار بغداد الدولي: تعزيز دور العراق المحوري ونقطة التقاء للرؤى
Comments